الرئيس الأمريكي في الشرق الأوسط: بحث عن معادلة إقليمية جديدة

تقدّم هذه الورقة، التي أعدها مركز ستراتيجكس، قراءة في طبيعة تفاعلات السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة مع البيئة الشرق أوسطية، وتستعرض بطريقة نقدية أهم ملامح جولة الرئيس جو بايدن إلى المنطقة. كما تجادل في مغالطتي الانسحاب الأمريكي منها وبروز العالم متعدد الأقطاب، وتختتم الورقة في بيان أهمية التوازن الإقليمي لتقليص – أو تحييد- النزاعات الرئيسة.


بدأ الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في 13 يوليو 2022، جولة شرق أوسطية هي الأولى له بعد توليه الرئاسة، استهلها من تل أبيب وثم الأراضي الفلسطينية ليتوجه لاحقاً إلى السعودية للقاء الملك سلمان والمشاركة في اجتماع موسع لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر والعراق بحسب بيان صادر عن البيت الأبيض.

وتعيد هذه الزيارة التذكير بالجولة التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، مع ضرورة مراعاة الاختلافات الجوهرية بين الجولتين، فجولة ترامب كانت أول جولة خارجية له بعد توليه الرئاسة، في دلالة على أهمية المنطقة في حسابات إدارته وتعويلها على إحداث اختراقات في مسار السلام هناك. أما جولة بايدن فتأتي بعد أكثر من عام ونصف على توليه الرئاسة، وعلى الأغلب لم تكن الجولة في مسارها الحالي لتتم لولا ضغوطات الأزمة الأوكرانية وحاجة واشنطن لإعادة ضبط علاقاتها التقليدية في المنطقة.

وهذا فرق جوهري آخر بين الجولتين، فالبيئة الدولية تغيرت ببدء روسيا للعملية العسكرية في أوكرانيا، كما أن المعطيات الإقليمية اختلفت، فجولة ترامب في مايو 2017 هدِفت للتنسيق الإقليمي لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، والذي تم في مايو 2018 وسط ارتياح دول في المنطقة كإسرائيل والسعودية اللتين -بالإضافة إلى دول اقليمية أخرى- انتقدتا الاتفاق الذي وقعته إدارة أوباما.

في حين يمكن وصف جولة بايدن بأنها جولة “أزمات” فهي تأتي للتنسيق الإقليمي لمرحلة ما بعد المفاوضات النووية، لطمأنة الحلفاء بأن لا اتفاق مفاجئ مع إيران مثل ما وقع في عهد إدارة أوباما.

وصحيح أن جولة بايدن تتم في مرحلة تشهد سعي الدول للخروج من مأزق الحروب بالوكالة وتحييد ما أمكن من الصراعات، وهذا يُستدل عليه بالمحادثات المتعددة التي تجري حول أكثر من ملف، إلا أن هذه الجولة تأتي في توقيتٍ تواجه فيه دول عدة أزمات سياسية محلية حتى الآن، فالعراق يشهد أزمة في تشكيل حكومته، وفي لبنان الذي يُعاني من ضائقة مالية مُتفاقمة، تُديره حكومة تصريف أعمال في انتظار الإفراج عن تشكيلة حكومة جديدة قد تتأخر في ظل خسارة الكُتل النيابية الكبيرة للأكثرية في المجلس، أما إسرائيل فاستبقت جولة بايدن بالدعوة إلى حل الكنيست وإجراء انتخابات هي الخامسة في غضون 3 سنوات.

ولعل أبرز الأزمات في زيارة بايدن، تتعلق في الولايات المتحدة نفسها، فهي تعكس في العمق ما أصبح يُشار له على أنه غياب لاستراتيجية أمريكية واضحة تجاه الشرق الأوسط في ظل صعود الأهمية الجيوستراتيجية لإقليم الشرق الأقصى (الصين) ومؤخراً أوراسيا (التقاء أوروبا + آسيا شمالاً).

فالسياسة الخارجية الأمريكية الصادرة نحو الشرق الأوسط تبدو تائهة بين مبدأين:

الأول: هو مبدأ مونرو نسبةً للرئيس الأمريكي الخامس، جيمس مونرو، والذي تمخّض من خطابٍ ألقاه أمام الكونغرس في عام 1823 ويقوم على سياسات عدم التدخل، وعدم الاحتلال في إشارة إلى المستعمرات الأوروبية، وفصل مناطق النفوذ في أمريكا وأوروبا، وهذه السياسات الانعزالية جاءت في مرحلة تأسيس الولايات المتحدة حيث كانت تسعى لتثبيت سيادتها الداخلية والحد من التدخلات البريطانية في الأمريكيتين.

الثاني: هو مبدأ أيزنهاور نسبةً للرئيس الأمريكي، دوايت أيزنهاور، والذي صدر أيضاً في خطاب ألقاه أمام الكونغرس مطلع 1957، وفيه تتعهد الولايات المتحدة بمساعدة أي دولة شرق أوسطية تطلب مساعدة اقتصادية أو عسكرية، وبخلاف مبدأ مونرو، جاء مبدأ أيزنهاور في خضم سياسة خارجية نشطة ترى في الانخراط في الأزمات العالمية ضرورة لمحاصرة النفوذ السوفيتي وحماية مصالح الأمن القومي الأمريكي.

بين انعزالية مونرو وتوسعية أيزنهاور، تحاول إدارة بايدن صياغة توجهات تستجيب للظروف الراهنة، لا سيما تلك المتصلة بمعدلات التضخم في الولايات المتحدة، فقد رجحت الأزمة الأوكرانية كفةَ المصالح على القيم، فعموم الناخبين الأمريكيين في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2022 سينظرون إلى أسعار الوقود والمواد الأساسية، ومن ثم سيدلون بأصواتهم، وقلة فقط من النخبة الثقافية سيعتمدون في تصويتهم على قضايا مثل حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية في العالم.

ولم يكن أمام إدارة بايدن إلا التعاطي بنظرة واقعية براغماتية مع الشرق الأوسط تضع جانباً محاولات بايدن للدمج بين الديمقراطية وحقوق الإنسان في نهج سياسيته الخارجية، وأيضاً، من الضروري لدول المنطقة الرئيسية، كإسرائيل والسعودية والإمارات، عدم النظر إلى بايدن بزاوية نائب الرئيس في عهد باراك أوباما، فالعلاقات مع تلك الإدارة سادها الشك بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران بشكل “مفاجئ” عام 2015.

إذاً، يمكن وصف الأجواء المرافقة للجولة بأنها يسودها الإدراك المتبادل بضرورة تجاوز محددات سابقة أبطأت ديناميكيات التفاعلات الأمريكية الشرق أوسطية، وهذا يتضح من أجندة الزيارة التي تنفي واشنطن أن غايتها الرئيسية هي بند الطاقة.

وعلى الأغلب سيتم تغطية هذا البند تحت ستار المصالح الحيوية الأمريكية وتشجيع التعاون الإقليمي، فإلإدارة الأمريكية لا تود إخراج المشهد بأولوية النفط، حفاظاً على صورتها كقوة عسكرية وأمنية وتقنية عظمى.

ووفق ما رشح من تصريحات، يبدو أن أجندة الزيارة اتضحت، والتحليل التالي يحاول تقديم صورة نقدية متجانسة لأهم جوانبها، والتي يمكن حصرها فيما يلي:

1-التمهيد لهيكل أمني جديد

في اليوم الذي دعا فيه الائتلاف الحكومي الإسرائيلي لحل البرلمان؛ كشف وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، عن سعي إسرائيل ودول في المنطقة لبناء تحالف عسكري جوي دفاعي تقوده أمريكا تحت اسم “تحالف الدفاع الجوي في الشرق الأوسط – MEAD”، قائلاً إن البرنامج نجح في اعتراض محاولات إيرانية لمهاجمة أهداف في إسرائيل ودول أخرى لم يسمها، معرباً عن أمله في أن يأخذ البرنامج “خطوة أخرى إلى الأمام” أثناء جولة بايدن.

إلا أن وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي ذكر أن “لا حديث عن تحالف عسكري تكون إسرائيل جزء منه”. وكذلك أصدرت الحكومة الإماراتية بياناً نفت فيه علمها “بأي مناقشات رسمية تتعلق بأي تحالف عسكري إقليمي” يستهدف دولة بعينها، في ردٍ غير مباشر على تقارير أبرزها ما نشرته صحيفة “Wall Street Journal” عن اجتماعات عسكرية ضمت مسؤولين من إسرائيل ودول عربية.

نظرياً، وحسب كلاسيكيات المدرسة الواقعية، حتى يتشكل أي تحالف بين مجموعة من الدول فإنه يجب وجود “عدو” مشترك واضح متفق على تصنيفه كعدو بين الدول الأعضاء، وفقط إسرائيل في هذه المرحلة من تصرح بعداوتها مع إيران، فالسعودية تنخرط في مباحثات مع إيران عبر الوساطة العراقية، وعموم الدول المتداول عضويتها في “التحالف” تميل إلى تبني سياسات غير هجومية فيما يتعلق بطهران مع العمل على محاصرتها في المنطقة وتطويق أذرعها.

وتماشياً مع التوجه الإقليمي لتقليص العداء وعوامل التنافس السلبي، يبدو أن ما أكدته مصادر أمريكية لوسائل إعلام هو الأقرب للدقة، حيث أن هذه المصادر نفت أن تحالف عسكري في الشرق الأوسط مطروح على جدول أعمال زيارة بايدن، بل “ترتيبات وتفاهمات تجري ضمن إطار القيادة الوسطى الأميركية، المسؤولة عن الشرق الأوسط، حيث انضمت إليها إسرائيل بعد أن كانت لسنوات جزءاً من القيادة الأميركية في أوروبا”، وتهدف هذه الترتيبات للقيام بمهام رصد واعتراض الأجسام الطائرة، كالصواريخ والمسيرات، والتعاون الاستخباري، وتبادل معلومات تكنولوجية.

وكشفت إسرائيل لبايدن في أول أيام جولته عن أحدث منظومات دفاعها الجوي الليزرية المصممة لرصد واعتراض الأجسام الطائرة صغيرة الحجم كالدرونات والصواريخ الحرارية والمقذوفات قصيرة المدى، لتنضم هذه المنظومة إلى نظام الدفاع الجوي المتعدد الطبقات والمستويات، في ما يبدو بأنه ترويج واستعراض للإمكانات التي تستطيع تل أبيب توفيرها في أي شراكة دفاعية شرق أوسطية يجري الإعداد لها.

وبغض النظر عن ماهية الأهداف، فإن فكرة التحالف العسكري في المنطقة لا يزال أمامها مسار طويل من العمل، فبالإضافة إلى عدم وجود عدو مشترك واضح، تتباين الدول المرشحة للانضمام في أهدافها ومصالحها وفي بنيتها السياسية والمجتمعية الثقافية.

وفي وقتٍ تتعدد فيه الوساطات والمحادثات، سيزيد التحالف العسكري المُفترض من الشكوك والتوجس ويعمق أزمات الثقة المتجذرة، وبالتالي من الضروري ضبط المصطلحات وعدم الزج بمفردة “تحالف” للإشارة إلى ما لا يتعدى شبكة رصد متطورة، ولا يعني ذلك التقليل من الدلالات السياسية والمعنوية لما يجري، فالشبكة تعبر عن اختراق استراتيجي سياسي بصبغة عسكرية دفاعية.

وينبغي التساؤل عما إذا كانت الشبكة المقترحة ستحقق غايتها العملياتية المتمثلة في تأمين تغطية جوية واسعة النطاق عبر ربط وتنسيق وسائط دفاع جوي لعدة جيوش، وهل ستُضاف هذه البنية الجديدة إلى أدوات فعالة للردع أم ستكون مجرد مناورة سياسية للضغط على إيران لتقديم تنازلات في المفاوضات النووية ونفوذها الإقليمي.

فالهيكل الأمني المقترح يبعث برسائل قوة أن واشنطن رغم انشغالها بأولويات محلية وخارجية غير شرق أوسطية لا تزال تمتلك الأصول لتشكيل مسار الأحداث في المنطقة، وتستطيع فرض قواعد جديدة تكسر حواجز سيكولوجية سابقة.

ففي مبدأ “ايزنهاور” سابق الذكر لم تكن إسرائيل العضو آنذاك في “القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا – EUCOM” جزء عضوي في الحسابات الأمريكية الشرق أوسطية، أما بعد اختراقات إقامة إسرائيل لعلاقات مع عواصم عربية، فأصبح تشبيكها عسكريا أمراً واقعاً تمليه المخاوف المشتركة، وإن لم يُعلن عن شبكة الدفاع الجوي في هذا الوقت، فإنه من شبه المؤكد أن العمل جارٍ على تهيئة البنية التحتية الخاصة بها تحت قيادة “USCENTCOM”.

2-الإندماج الإقليمي ومنافسة الصين

لم يكن حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليستمر لو اقتصر على مواجهة “المخاوف المشتركة” فحسب، وإنما تم تدعيمه بـ”المصالح المشتركة” والتنسيق البيني على مستويين: الأول بين الدول الأوروبية نفسها وتعزيز التكامل وصولاً إلى “الاتحاد الأوروبي”. والثاني التعاون عبر الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة والبناء على مشروع “مارشال” الأمريكي لدعم الاقتصادات الأوروبية المتدمرة جرّاء حربين عالميتين.

والمتتبع لما يُعلن عنه من مشاريع عابرة للدول في الشرق الأوسط، يرى أن هذه المشاريع تستلهم من التجربة الأوروبية الدروس لخدمة اقتصاديات المنطقة التي تضررت بسبب الأزمات الأمنية وجائحة كورونا والأزمة الأوكرانية.

ويُتوقع أن تعطي جولة بايدن الزخمَ لهذه المشاريع، كمشاريع الربط السككي واللوجستي، ونقل الطاقة، وتثبيت موطئ قدم أمريكي في غاز المتوسط، والأمن الغذائي والمائي، وإعطاء زخم للمشاريع المنبثقة من اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية الأخيرة.

وفي العمق من هذه المشاريع العابرة للدول، تحاول الولايات المتحدة عرقلة التمدد الصيني في المنطقة المنبثق من مبادرة الحزام والطريق، ويُذكر هنا أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، كانت فقد طلبت بصورة حازمة من تل أبيب تقليص حضور الشركات الصينية في ميناء حيفا لاعتبارات أمنية لقربه من الأسطول السادس الأمريكي، وفي نفس تلك الفترة، تردد أن واشنطن طلبت من عمّان وقف التعاون مع الصين في مشروع العطارات للنفط الصخري.

وحمل التطلع الصيني للمنطقة جوانب تتعلق بالصناعات العسكرية، فقد وقعت بكين وطهران اتفاق “الشراكة الإستراتيجية الشاملة” الذي يمتد لمدة 25 عام، ويتضمن جانباً من التعاون العسكري، ووقع العراق اتفاقية استراتيجية مع الصين في سبتمبر 2019 تمتد لعشرين عام وتستند على “النفط مقابل الإعمار” حيث يزود العراق الصين بالنفط مقابل قيام شركات صينية بتشييد ميناء الفاو وسكة الحديد المرتبطة ومدارس ومستشفيات وغيرها من البنى التحتية.

وبعد مقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، في غارة أمريكية في يناير 2020 واستقالة حكومة عادل عبد المهدي، فقدت هذه الاتفاقية زخمها الداعم وسطَ قيود وشروط أمريكية تحد من تمدد الصين التنموي الطابع في العراق.

هذه القيود لا تأتي ضمن تكتيك أمريكي خاص بالشرق الأوسط وإنما ضمن استراتيجية دولية للحد من تغلغل الصين في الدول النامية وللحفاظ على تفوق الولايات المتحدة في مجالات برزت فيها الصين مؤخراً، كالتقنية.

وفي سبيل هذه الغاية أقر مجلس الشيوخ في يونيو 2021 قانون “الابتكار والتنافس” الذي انتقده مجلس نواب الصين واعتبر أن القانون البالغة مخصصاته 250 مليار دولار “غارق في عقلية الحرب الباردة وعقلية اللعبة الصفرية، ويشوه مسار التنمية في الصين وكذلك سياساتها الداخلية والخارجية”.

أما دولياً، فقد دعمت الدبلوماسية الأمريكية إطلاق برنامج عابر للقارات في قمة السبع المنعقدة في يونيو 2022 تحت اسم “الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية”، ويهدف البرنامج إلى حشد قدرات الدول لجمع 600 مليار دولار لتمويل مشاريع تنموية موازية لمبادرة الحزام والطريق الصينية المعروفة بـ”طريق الحرير الجديد”.

وإلى الآن لا تزال واشنطن قادرة على رسم خطوط حمراء أمام التمدد الصيني في الشرق الأوسط، الذي هو بخلاف إفريقيا يعتبر منطقة مصالح حيوية أمريكية متجذرة، مما يعني أن الممانعة الأمريكية لها ما يبررها وما يدعمها من أدوات لإنفاذ إرادتها.

3-إظهار الدعم لعملية السلام

يظهر مما سبق، أن الحديث عن شراكات دفاعية، يتطلب حكماً تحقيق مستوى نسبي من الاعتماد التنموي المتبادل عبر الاندماج الاقتصادي لضمان نجاحه وديمومته، لما للشراكات الاقتصادية من دور في تقليص الاختلافات المتصورة ورفع مستوى الثقة بين مختلف الدول، وهو الأمر الذي لن يكون ناجزاً دون إيجاد حل سياسي للأزمات الرئيسية في المنطقة وإقامة تعاون شمولي من حيث المجالات المستهدفة والدول الأعضاء، بما فيها المتنازعة حالياً.

وتعد القضية الفلسطينية أقدم الملفات النزاعية في المنطقة، وارتفع سقف توقعات الفلسطينيين بمقدم إدارة بايدن في إبطال بعض قرارات إدارة ترامب السابقة، كإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس، والتراجع عن قرار إغلاق مكاتب منظمة التحرير في واشنطن.

وإن كان بايدن قد تعهد باتخاذ خطوات لصالح الفلسطينيين في حملته الانتخابية؛ إلا أن الوقائع تشير إلى أن الجمود في عملية السلام لا يزال يراوح مكانه مع اكتفاء إدارة بايدن بالعمل على الحفاظ على الوضع القائم دون الإقدام على أي خطوات مؤثرة، باستثناء الدعم الاقتصادي الذي يهدف لتحسين الوضع الاقتصادي دون إحراز تقدم في الوضع السياسي.

وطوال مسيرته السياسية، لم يتزعزع دعم بايدن لأمن إسرائيل، إلا أنه أيضاً يدعم حل الدولتين الذي تقلصت آفاقه عبر التوسع الاستيطاني وتنامي حضور اليمين الإسرائيلي الرافض لأي حلول جذرية مقنعة لطرفي النزاع.

وسيتوجه بايدن بعد زيارته تل أبيب، إلى بيت لحم، وسيلتقي الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ومن المحتمل أن يبعث بايدن برسالة رافضة لسيادة إسرائيل على القدس الشرقية أثناء زيارته مستشفى خيري دون مرافقة أمنية أو سياسية إسرائيلية.

عملياً، لا تهدف هذه الزيارة لتقديم أي جديد فيما يتعلق بالسلام الفلسطيني الإسرائيلي، فلدى وصول بايدن مطار بن غوريون أقر أن حل الدولتين “يبقى الحل الأمثل لإنهاء الصراع في المنطقة”، لكنه اعترف بصعوبة هذا المسار بالقول ” لا أرى أفقاً قريباً لهذا الحل”، فالأنظار هذه المرحلة تتجه نحو توسيع علاقات إسرائيل مع الدول العربية.

ولا تنفصل أهداف هذه الجولة الخارجية عن الظروف الداخلية الأمريكية، فبالإضافة إلى الطاقة سيظهر بايدن للناخب الأمريكي التزامه بأمن إسرائيل، ولذلك قد يسعى للخروج بإعلان عن خطوات ملموسة لتوسيع قائمة الدول المُنضمة لاتفاقيات السلام مع إسرائيل.

ومن المتوقع أن تشهد الجولة التمهيد لتأسيس هيكل دفاعي كما ذكرنا سابقاً، تحت مظلة “USCENTCOM” الذي يعني حكماً مشاركة اسرائيل بحكم عضويتها في القيادة الأمريكية الشرق أوسطية.

4-التنسيق لمرحلة ما بعد المفاوضات النووية

لا زال المراقبون ينتظرون ما ستسفر عنه جولة محادثات الدوحة حول الاتفاق النووي والتي بدأت أواخر يونيو 2022، وهذه الجولة التكميلية يُنظر لها على أنها حاسمة بعد الجمود الذي اعترى جولات محادثات فيينا، وأياً كانت نتيجة هذه المحادثات، فإن إدارة بايدن ستسعى إلى تجنيب حلفائها سيناريو الاتفاق/أو الانهيار المفاجئ كما كان في اتفاق 2015.

وبالفعل شرعت واشنطن في تحسين موقعها التفاوضي عبر مزيد من التنسيق بين حلفائها وشركائها في المنطقة، فشبكة الرصد الدفاعية الشاملة “MEAD ” تقع في صميم الردع المتكامل الموجه ضد الأنشطة الإيرانية التي تراها بعض الدول مزعزعة للاستقرار.

ومؤخراً، تزايد حديث مسؤولين إسرائيليين عن تغيير جوهري في التعاطي مع الملف الإيراني، عبر اتباع استراتيجية الأخطبوط التي تتضمن استهداف مكامن الخطر الصادر من إيران في العمق الإيراني، وبذلك تصعد اسرائيل – وربما معها بعض شركائها المتعاونيين أمنياً معها – من سياسة الأذرع القائمة على تحييد مكامن الخطر خارج الأراضي الإيرانية.

ومؤخراً تزايدت الاتهامات لتل أبيب بإستهداف المصالح الإيرانية وبعدد من الاغتيالات داخل إيران وحتى في أكثر المواقع الأمنية حساسية، ووسعت في الوقت ذاته من الضربات الجوية للمصالح الإيرانية في سوريا، كان آخرها إخراج مطار دمشق الدولي عن الخدمة مؤقتاً بعد غارة يُعتقد أن إسرائيل نفذتها.

وترد إيران على جمود المفاوضات والهجمات التي تتعرض لها بعدة آليات، أخطرها تصعيد خطواتها النووية اقتراباً من العتبة النووية، وحال حيازة طهران السلاح النووي فإن الإقليم سيكون قريباً جداً من اندلاع سباق تسلح نووي.

ناقش مركز ستراتيجيكس هذه المسألة ضمن تقرير التوقعات الاستشرافي نصف السنوي لعام 2019 تحت عنوان أثر القوة النووية على مفهوم “الاستراتيجية”

أمام هذا الاضطراب المتصل بموقع طهران في الإقليم، تجد إدارة بايدن نفسها مطالبة أكثر من أي وقتٍ مضى في تبني سياسات تعالج النفوذ الإيراني المزعزع للاستقرار بحسب تقييمات شركائها وحلفائها الشرق أوسطيين، وإن كانت طهران ترفض مناقشة هذا النفوذ في أي محادثات مع الغرب، إلا أن نقاشاتها مع دول في الإقليم لا تنفك عن محادثاتها الغربية النووية.

فأي تقدم في مسار هذه المحادثات سينعكس إيجاباً على النقاشات الإقليمية، فهذين المسارين متكاملين، أحدهما يُعنى بالملف النووي والآخر بالتفاهم على حدود مستقرة في معادلات الأمن الإقليمي.

ويسهم تعدد مناطق الأزمات في توسيع قائمة القضايا القابلة للحل والتحييد، لا سيما في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ومن مصلحة واشنطن وحلفائها إدارة عمليات التفاوض الجارية على أكثر من صعيد لتحقيق مردود سياسي يخفف مواطن التوتر الإقليمي، ويشكل جبهة تفاوضية موحدة إلى حدٍ ما في وجه طهران.

وهذا من شأنه أن يرفع امكانية تقديم تنازلات مشتركة تعالج مخاوف كل طرف في الملف الأكثر حساسية وفق اعتباراته، ومن شأن التشبيك التفاوضي أن يدعم الوصول إلى نتائج مرضية شاملة، أما التعامل مع الملفات كل حدا فقد لا يفضي إلى مثل هكذا نتيجة.

مغالطتا الانسحاب الأمريكي والعالم متعدد الأقطاب

لم تعد واشنطن الحليف الوحيد لدول الإقليم التي كانت تدور في فلكها، فبعد اتباع إدارة أوباما لنهج “القيادة من الخلف” لأزمات المنطقة، ودعمها ما يُعرف بـ”الربيع العربي”، وتوقيعها “المفاجئ” للاتفاق النووي عام 2015؛ أعادت دول في المنطقة تقييم سياستها الخارجية لتنويع خياراتها وعدم الاكتفاء بحليف وحيد على الساحة الدولية.

تزامن هذا التنويع مع “مغالطة” الحديث عن انسحاب أمريكي استراتيجي من الشرق الأوسط، فهذه المغالطة تتجاهل الأصول العسكرية والأمنية الأمريكية في المنطقة، ولا تزال محددات السياسة الخارجية الأمريكية الشرق أوسطية محافظة على عناصرها الأساسية في ضمان حرية الملاحة وأمن الطاقة ودعم الحلفاء ومكافحة الإرهاب والتطرف. وقد تكون هذه العناصر تراجع تأثيرها إلا أن الأزمة الأوكرانية أعادتها نحو الصدارة من جديد.

وجولة بايدن الشرق أوسطية تصرّح من خلالها واشنطن عملياً أنها لن تترك الشرق الأوسط في وضع فراغ استراتيجي تملؤه الصين وروسيا وقوى إقليمية مناوئة لها كإيران، فحتى إن تطلبت مصالح الأمن القومي الأمريكي تسخير الجهود نحو الشرق الأدنى وأوراسيا فإنها ستظل محافظة على انتشار يمكنها من ممارسة سياسة نشطة بحكم انفرادها في حيازة أصول عسكرية توفر مظلة أمنية يمكن تعزيزها وقت الحاجة للعمل على إنفاذ إرادتها الشرق أوسطية.

فروسيا وإن أسست لتواجد عسكري في سوريا، إلا أن هذا التواجد ليس بالاستراتيجي فلا تتوافر فيه الشروط اللازمة لإدارة متكاملة لتنفيذ عمليات على نطاق واسع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا التواجد تعرض لتخفيض لأسباب عملياتية وسياسية ذات صلة بالأزمة الأوكرانية.

أما الصين فلا تمتلك أي قاعدة عسكرية معلنة خارج أراضيها باستثناء تواجد محدود في مضيق باب المندب (جيبوتي).

وحتى الآن، لا توجد دولة أو تحالف مؤهل لممارسة التأثير الكاسر لطبيعة النظام الدولي، وقد تمتلك بعض القوى ما يؤثر على العلاقات الدولية ولكن تغيير قطبية العالم ليس بالشأن الذي يتم من خلال القدرات الاقتصادية (الصين) أو القدرات العسكرية (روسيا)، فالتاريخ يُنبأ أن قطبية النظام الدولي لم تتغير إلا بعد حروب كبرى انخرطت فيها كتل جيوسياسية وأفضت نتائجها إلى إرساء قواعد دولية جديدة.

وهذا الوضع الدولي الفوضوي يحمل في طياته تحديات على دول المنطقة، وفي الوقت نفسه يمكن أن تنظر إليه على أنه فرصة لرفع قدراتها الذاتية وتنويع خياراتها الخارجية، مع كل ما يحمله هذا التنويع من مخاطر، فرغم فك الارتباط الأمريكي النسبي مع أزمات المنطقة إلا أن واشنطن لا تزال تملك مظلة أمنية قادرة على توفير الحماية أو نزعها استراتيجياً.

ومن غير المنطقي أن ترفض دوائر صنع القرار الأمريكي زيادة دول حليفة لها لتفاعلاتها مع بكين وموسكو، لتعويض النقص جراء انسحابها الجزئي، ولكن يمكن لواشنطن العمل على إدارة تكتل من حلفائها يتولى ملء هذا الفراغ، بما يحافظ على مصالحها الدولية ويحول دون الإضرار بمصالح حلفائها الشرق أوسطيين.

ويلاحظ أن الحواجز ما بين الشرق الأوسط والشرق الأدنى آخذة في التقلص، وتريد الولايات المتحدة التكيف مع هذا التحول، ولذلك من اللافت في جولة بايدن أن يتم تدشين أول اجتماعات مجموعة رباعية جديدة تضم الولايات المتحدة والإمارات والهند واسرائيل التي أُطلق عليها “I2U2” اختصاراً للحرف الأول من كل دولة، وهذه المجموعة لم تتضح ملامحها بعد، ولكن يُتوقع أن يكون لها وزن دفاعي واقتصادي وتكنولوجي.

ويمكن أن تكون “I2U2” منصة لتشبيك إقليمين حيويين في الحسابات الجيوستراتيجية الدولية، وقد ازدادت الحاجة لمثل هكذا تشبيك بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الواقعة في آسيا الوسطى؛ الإقليم الرابط بين الشرقين الأوسط والأقصى.

يتضح مما جاء في هذا البند أن جولة بايدن تعيد التأكيد على أن الشرق الأوسط لا يزال واقع في قلب التحولات الدولية المؤثرة في شكل العلاقات الدولية، أما الحديث عن طبيعة النظام الدولي وتحوله إلى التعددية القطبية فذلك طرح يحتاج إلى تأصيل نظري غير منحاز يُراعى فيه الكلف والمسؤوليات المترتبة على عاتق من يتولى القيادة، فإن سئمت واشنطن من هذه المهمة فإن بكين على الأغلب لا تريد أن تكون مستقبلاً في وضع مشابه يفرض عليها أعباء تقوّض من تنميتها الاقتصادية المحلية وتطيح بمبدأها “الصعود السلمي”.

ولذلك يجب النظر بعين الاعتبار إلى مفهوم “اللاقطبية -NonPolarity” الذي صاغه رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ريتشارد هاس، في مقال نشره في مجلة “Foreign Affairs” منتصفَ 2008، وفيه استشرف غياب رغبة وقدرة القوى العظمى على التصرف كفاعل آمر “Ordering Agent” في النظام الدولي.

واستعداداً لسيادة اللاقطبية، على الدول الإقليمية الرئيسية في كل إقليم، بما في ذلك الشرق الأوسط، التأقلم مع التغير المحتمل في النظام الدولي الذي تتجه قواه العظمى لتقليص أعبائها الخارجية وتركيز جهودها نحو الداخل ولمواجهة التحديات العابرة للدول، كالتغير المناخي والأمن السيبراني والأمن الغذائي.

وتوفّر الدراسات الإقليمية مدخلاً نظرياً لمسارات التعاون والتكامل الإقليمي، لا سيما في معالجة المخاطر الناشئة “Emerging Threats ” كالأمن الغذائي والمائي، وأمن الطاقة، وسلاسل التوريد، ومكافحة الإرهاب والإجرام المنظم وتهريب المخدرات، فمثل هكذا مخاطر مرتبطة بالتقارب الجغرافي، مما يحفّز حلها عبر الإقليمية.

البحث عن توازن إقليمي

يقتضي التوازن عدم وجود تفوق واضح لطرف على حساب الآخر، بحيث يشير ميزان القوى غير المقتصر هذا القرن على القوة العسكرية كما كان في القرن الماضي إلى حالة من التكافؤ النسبي التي تحافظ على الاستقرار.

ولطالما سعت القوى العظمى إلى ضبط التوازنات الإقليمية، دون أن تنفرد قوة إقليمية و”تهيمن” على جيرانها. بهذا الاتجاه لا تريد واشنطن أن ترى في إيران دولة نووية، ولا أن تنخرط دول الإقليم في صراع صفري يُفضي بالنهاية إلى دولة مُسيطرة، بقدر ما يتجه الإقليم إلى علاقات تُشكلها عوامل مُترابطة من الردع والمصالح المُشتركة.

ومثل هكذا توازن “إقليمي” مُستوحى من سياسة الاحتواء “الدولية” التي اتُّبعت في خضم الحرب الباردة عبر تشكيل كل قطب لمناطق نفوذ خاصة، وهي لم تفلح في منع الصدامات بين وداخل الدول غير الكبرى، فصحيح أنها حالت -بالإضافة إلى الردع النووي- في عدم الانزلاق نحو مواجهة مباشرة، لكنها لم تفلح في التأسيس لسلام عالمي إيجابي واقتصرت على سلام سلبي حال دون الحرب والتعاون بين القطبين آنذاك.

وإن كان هنالك جدية إقليمية في السلام الإيجابي، فمن الملح خفض عسكرة المواقف وتبني سياسات تؤسس لمناخ من الثقة, ويظل السؤال حائراً حول قدرة الإقليم على الحفاظ على نفسه في وضع ما دون عتبة الاشتباك الكبير “SubThreshod Conflict ” وهو الوضع الذي يتطلب قدر كبير من دقة الحسابات وضبط النفس، فيكفي رد فعل مبالغ به من قبل دولة ما تجاه هجوم تعرضت له من أن يبتدئ الحرب.

صحيح أن الحرب في ظل ميزان القوى الحالي تبدو عملاً غير منطقي، ولكن الانحياز للحالة الطبيعية واستبعاد وقوع الحرب هو تفكير غير منطقي كذلك، فمطلع هذا العام 2022 كان كل شيء طبيعي في أوكرانيا ولا يوجد ما يوحي بالحرب سوى تقييمات الاستخبارات الأمريكية، أما في شهر فبراير بدأت روسيا ما أطلقت عليها “عملية خاصة”.

ختاماً، تأتي جولة بايدن في توقيتٍ حساس لاعتبارات محلية ودولية استعرضتها هذه الورقة، وفي ضوء هذه المعطيات لا يُتوقع أن تسفر هذه الجولة عن فرض قواعد ومعادلات جديدة في المنطقة، فإدارة بايدن ليست في وضع قوة يمكّنها من تشكيل الحقائق والوقائع.

ولكن ما ينبغي مراقبته خلال الزيارة هو ما إذا تغير المنظور الأمريكي نحو الشرق الأوسط، فالمحددات الرئيسية التي حكمت هذا المنظور (أمن النفط، وأمن إسرائيل، ودعم الحلفاء، ومكافحة الإرهاب والتطرف، ونشر الديمقراطية) قد يتم إعادة تعريفها وفق المستجدات والتغيرات الإقليمية والدولية.





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق