بين العشق والاستقلال ثمة وطن ما زال يتحدى ويداري

د. عبدالمهدي القطامين

انه الاستقلال إذن ….كانت الناس تجول في صمتها وتخاطب ما انسلخ من عمرها وكان الوطن قاب قوسين او أدنى وبين السماء والأرض كانت شهقة الفرحين بوطن تحول من الذل إلى الانعتاق ومن القيود إلى الحرية ومن التبعية إلى الاستقلال وكان المؤذن في الناس أن حي على الجهاد يدرك أن الوطن وناسه أجدر بان يبنون دولتهم في ظل هذا العرق الممتد من الوتين إلى الوتين ومن الوطن الذي هو بحجم بعض الورد انشأ الأسياد من آل هاشم عرينهم الجديد واقسموا باسم كل مقدس أن لن يمر الغزاة وان الأردنية ستكون قاب قوسين من النصر وكان الأردنيون المتعبون في طول البلاد وعرضها يندهون:

يا سامي باشا ما نطيع وما نعد ارجالنا

وكانت “مشخص ” بعينيها ترجو السماء والعسكر يرددون حول الحمى :

لعيون مشخص والبنات …..قتل العساكر كارنا

انه الاستقلال …..وجموع الناس تلتف حول القائد المؤسس معلنة أن المنية ولا الدنية وان الوطن إن نادى لباه الرجال المنزرعين وهج شمس وعنفوان حضارة ونجيع دم فائر يغذي شروش الأرض إن عطشت ويطعمون نسغها إن ضج به الجوع .

للاستقلال ألف معنى وأقربها ان تحضن هذه الأرض إلى صدرك أو أن تلقي بصدرك على حضن الوطن كلما غفا نجم او هوى وكلما ارتعدت فرائص الموت وانشد المنشدون لحن العودة الأخير إلى الأرض التي هي أمنا وأبونا ودروبنا التي تقدح فيها سنابك الخيل وتحمحم في رمالها وصحرائها كلما غضبت وأوغل الفارس فوق ظهورها بنشوته الأخيرة وهو يدرك انه ربما لا يعود وان لم يعد عاد حصانه مخضبا بالدم يحرن عند قبره وينبش بسنابكه التراب على الصدر البهي الذي غطته الدماء .

هي الأرض حين تجوع يلبي نداءها العسكر ، يرسمون خرائطهم ويتفقدون اليد التي على الزناد ثم يتأكدون ان الدماء وحدها ما زالت تجري في العروق وهم في اللحظة ذاتها يعرفون ما الفرق بين اغماضة العين وانتباهتها وبين ان تظل العين مفتوحة على اكثر من احتمال والقلب يراوغ مكانه في الصدر لأنه يعرف ان هو ارجف ان العاقبة وخيمة .

للأردنيين تقاليدهم في الموت والحياة لأنهم يعايشون الموت حين لا يكون بينه وبينهم سوى اغماضة جفن او رفة هدب وهم وحدهم من يعرف ان العشق الحقيقي لا يحتمل أكثر من وجه الشهادة …..وان الوطن اذا ما انتخت فيه الصبايا فان سواعدهم هي اول من يلبي وان الجبين المزين بالتاج وحده يعرف ان الانحناءة غير ممكنة لأنها تعني ان طريقا اخرى غير الشهادة قد نواها القلب وهو ما لا يريدون فالبوصلة دوما تتجه نحو قلب الوطن وان لم يكن الماء حاضرا تيمموا بترابه واقسموا على الحد ان لن يمر الغزاة .

يصمتون كثيرا وإذا ما تكلموا كان لكلامهم وقع خاص في القلب تلوح من ثناياه رائحة الأرجوان وعنفوان المحبة التي ليس خلفها الا حقيقة واحدة ان الوطن باق وان الكل الى زوال وحين كان الكل يدبر كان العسكر وحدهم يقبلون يسامرون نجمة بعيدة وحيدة تلوح في افق الوطن تدلهم وهم يتسامرون ورائحة البارود ان بيوتهم هناك بعيدة لكنها ليست ابعد من خندق أحاطهم إحاطة السوار بالمعصم وضمهم الى نبضه هامسا يا جارتا لسنا غريبان ها هنا .

للأردنيين ان يقولوا كلمتهم فما زال دمهم مسفوحا من اجل فلسطين منذ باب الواد وحتى هذا الزمن الذي اختلط فيه الحابل بالنابل لقد ساهروا الحد طويلا كي لا يضيع الوطن وكي لا يصبح ناسه في مهب الريح يبحثون عن صحراء تؤنس وحشتهم وعن ليل طويل يواري سؤتهم وعن أهل قربى ظلموا كثيرا الوطن الذي نادى باسمهم منذ تفجرت ثورته العربية ذات مساء في مكة المكرمة وكان حاديها ينادي أن طالب الموت يا عرب .

فيا عبدالله الثاني أيها الملك الطالع نجما من بين الجباه التي عليها يزهو التاج ومن بين النجوم والكواكب التي كانت تزهو بها اكتاف الرجال هذا أوان الشدة ونقسم أن نشيل الحمل معك ،ثقيل نعرف ، ولكن ألستم منذ الرصاصة الأولى كنتم ال هاشم “جمال المحامل” سنحمله معكم فالوطن لا يثقل علينا والريح إذا ما هبت صرصرا قلنا لها كوني بردا وسلاما على الأردن واشرعنا بوابة القلب ليدخل كل هذا الحب فيه ونعلن أننا والوطن على موعد ليس ابعد من حبل الوتين ونقسم بجدائل أردنية لوحتها الشمس …..ان لن يمر الغزاة .

فيا سيدي الوطن ….ايها البهي الابي القريب البعيد الجميل ها نحن نخبئك في الصدر تميمة ونقسم ان جوعنا فيك حتى وان شد ولو ضاقت بنا الدنيا وعاث بوجهنا كيد الكائدون وبؤس الماكرون وجشع الناكرون ولو تمادى بنا الموت او كاد ولو شح الرزق وباتت زغب الحواصل بلا ماء ولا شجر ولو وهنت عظام كنت تكسوها بعظمك كلما وهنت ….نقسم انك الأول والآخر وان من حولنا الصحراء التي لا تبقي ولا تذر ونعرف أنها ما حنت يوما على غريب ولا روت يدين تعرقت بانتظار حبات المطر لكل هذا ولكل مسكوت عنه نقول:

بلادي وان جارت علي عزيزة ………….وأهلي وان ظنوا علي كرام





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق