اقتصادنا بين الواقع والنظرية

سلامة الدرعاوي

في الأردن لا ينقصنا التشخيص او المشخصين لتحديات الاقتصاد الوطنيّ، فالمشاكل والحلول معروفة للكل، وأجزم ان القضايا التي يتحدث بها الجميع في الوقت الراهن هي ذاتها قبل 30و40عاما وأكثر.

الحديث عن الحلول لمعالجة الاقتصاد كثيرة ومتعددة ومستمرة باستمرار المشاكل ذاتها ، فاين الخلل اذن ؟

اذا ما رجعنا الى الخطاب الثاني الملك عبدالله الأول بن الحسين في عام 1923 (الأمير وقتها) بعد تأسيس الإمارة بعامين والموجه الى المجلس التشريعي حسب كتاب الاقتصاد السياسي للدكتور جعفر حسان سنجد انه يتحدث في الخطاب عن تحديات البطالة وارتفاع النفقات وتنامي أعداد الجهاز البيروقراطي الرسميّ للدولة الوليدة حينها ، واليوم بعد 100 عام نجد القضايا ذاتها مازالت تتصدر خطاب التحديات التي تحيط بالاقتصاد الأردني.

من السهولة بمكان ان نطلق الحلول النظرية التي لها أساس علمي، لكن طبيعة الاقتصاد والاجواء التي تحيط به وتركيبته المعقدة تفرض واقعا لا يتناسب أبدا مع حلول التنظير الاقتصادي.

فالدعوة مثلا إلى تخفيض الضرائب وتحديدا ضريبة المبيعات 16% وتوحيدها الى 12% على سبيل المثال لا الحصر كلام منطقي وصحيح من الناحية النظرية ، لانه يخفض المعدلات الضريبيّة ويحد من التهرب الضريبي في الكثير من القطاعات ويساهم في معالجة التشوّهات الضريبية بين السلع والخدمات ويخفض الاسعار على المستهلك، لكن واقعيا لا احد يجيب كيف ستعوض الحكومة نقص الإيرادات المتولد عن هذا التخفيض والذي قد يزيد على المليار دينار على أقل تقدير ، لان اكثر من 50% من ضريبة المبيعات والخاصة تأتي من سلعتين فقط هما المحروقات والسجاير ، وبقيمة تناهز ال2.2 مليار دينار ، واذا ما علمنا ان الخزينة تعاني من عجز مزمن بعد المساعدات يناهز ايضا ال2.356 مليار دينار، فمن سيعوضنا عن هذه المخصصات الكبيرة ؟.

الكل ينادي بإلغاء الهيئات والمؤسسات المستقلة لتقليل النفقات، وهذه دعوة سليمة من الناحية النظرية أيضا، لكن لا احد يقول ما هو مصير اكثر من 35 الف شخص يعملون بها، هل سيوافق هؤلاء المنظرين على تسريحهم وضمهم إلى صفوف البطالة ؟.

الكل ينادي بخطة وطنيّة اقتصادية شاملة لإدارة الاقتصاد الوطنيّ، تكون مبنية على فهم داخلي ويقوم بتنفيذها حكومات ومجالس نيابية ، وهذا ايضا امر منطقي ومقبول من الناحية النظرية ، لكن واقعيا لا يستطيع الأردن ان يؤسس لبرنامج اقتصادي وطني شامل كما يتصوره البعض في ظل اعتماده المتزايد على المؤسسات الدولية لمساعدتهم في توفير المنح والمساعدات لتمويل نفقاته التمويليّة المتزايدة، مما دفعه للجوء لصندوق النقد الدولي لمساعدته في ذلك من خلال برنامج التصحيح الهيكلي الموقع معه ، وفي ظل غياب العملية المؤسسية لإدارة الاقتصاد الوطنيّ والذي للاسف يخضع لمزاجية الحكومات المتعاقبة في التعامل مع مكوناته .

والكل ينادي بالاعتماد على الذات كشعار استراتيجي لا بد من تنفيذه ، وهو امر ضروري للغاية، لكنه على أرض الواقع يبقى شعارا إعلاميا لا اكثر، فلولا المساعدات الخارجيّة والدعم الدولي الذي يتلقاه الاقتصاد الأردنيّ لكان الاقتصاد الوطني في خبر كان، والرقم الوحيد الذي يتجاوز التقديرات في الموازنة العامة هو رقم المنح والمساعدات التي تزداد عاما بعد عام وتزيد ايضا عن المقدر لها في الموازنة.

والكل يعلم بوجود فائض في انتاج الطاقة الكهربائية بشكل يزيد عن احتياجاته، والجميع يطالب بتخفيض التعرفة على القطاعات المختلفة، والجميع يريد ان نستخدم ذلك الفائض لتوزيعه على القطاعات المختلفة بأسعار مخفضة وهذا ايضا كلام صحيح من الناحية النظرية ومنطقي وضرورة ملحة، لكن على أرض الواقع هناك اتفاقيات بين الحكومة وشركات الكهرباء المنتجة بسعر ثابت للتعرفة الكهربائية لسنوات يصل بعضها الى 25 عاما ولا يستطيع الاردن بيع التعرفة بأقل من ذلك مع كل أسف.

التنظير شيء والواقع شيء آخر بالنسبة لإدارة الاقتصاد الوطنيّ، لكن ما حصل لنا واوصلنا الى هذه النقطة هي الإدارات الفاشلة للاقتصاد الوطنيّ على الصعيد الرسميّ على مدى سنوات طويلة من الفشل.

 

الغد





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق