إلى أمي

نيفين عبدالهادي

لن اكتب عن اليوم، كمناسبة حددتها أياد بشرية للاحتفال بمن هي أعظم من كل لغات الدنيا، وأقدس من كل الأوصاف المعتادة، لن أقزّم حبّا يمنح حياة، لا يرضى أن يكون سطرا في قصيدة أو نصّا في رواية، حبّا لقلب جعل الله الجنة تحت أقدام من تملكه، لن أكتب عن عيد الأم، فما للأم يوم واحد في حياتنا، فهي الحياة لحياتنا.

ليت للّغة أدوات تحكيها غير الأحرف والكلمات، لأتمكن من التعبير الحقيقي وأنا اكتب عن أمي، هذه الانسانة التي منحت حياتها ووقتها وعلمها وسني عمرها لنا أنا وشقيقاتي، فكانت في كثير من الأحيان تحديدا خلال سنوات مرض والدي «رحمه الله» ترى العيش فينا ولنا، والحياة من خلالنا، ليكون يومها وغدها لنا فقط، كما منحتنا ماضيها.

أمي مختلفة، فهي من اختصرت نساء الدنيا وحبّ الدنيا وعطاء الدنيا بشخصيتها، هي من منعت عني التعب والألم، وحتى التفكير بما هو أبعد من لحظاتي التي أعيش، هي من منحتني سعادة الدنيا وراحتها، وهدوء الحياة واستقرارها، ووضوح الرؤية، هي من منحتني مهارة العيش بسلام وصدق داخلي قبل أن يكون خارجيا، فلم أشبهها في الشكل فقط، إنما منحتني ذاتها شكلا وفي الكثير من تفاصيل شخصيتها، بطبيعة الحال الكثير من التفاصيل وليس كلها، فليتنا أصل لجزء يسير من تفاصيلها التي تقترب من الكمال.

ربما هو يوم وضع ليكون رمزا حتى نعبّر به عن حبّنا لمن في قلوبهن حبّ الدنيا، ومن عقولهن مليئة بأفكار لا تعرف من الحياة سوى العطاء والبناء والتضحيات، فهو اليوم الذي استحضر به لغتي، لأعبّر عما في قلبي لكِ أمي، أحكي ما أشعر به وأصف مشاعري، أن أقول إنكِ مختلفة بما قدّمت وتقدمين متناسية مرضك وتعبك في سبيل أن نحيا دون أي شيء يعكّر صوف حياتنا وأيامنا، ولو بسحابة صيف عابرة .

أعلم أمي أن في هذا الشهر «آذار» فقدتي وفقدنا عمود منزلنا وفي رحيل «محسن» حياتنا والدي رحمه الله سقط جزء كبير من تفاصيل حياتنا، أعدمه رحيل أبي، تاركا مساحات حزن لن تقوي كما لن نقوى على ردمها، تاركا ذكريات يصعب أن تنسينا أبا لا يشبه الآباء .. أبا لأربع بنات منحهن كلّ أدوات الحياة وألق الحضور والتميّز، سعى لأن يجعل من رقم (4) حالات نجاح وتميّز وألق أربع، في مجالات مختلفة، لتكملي معنا وأنت تمسكين بنا بكل ما أوتيت من حبّ وعطاء، بإيمان أن في قوّة الأم عنوان نجاح، ونجحت أمي بأن تكوني أمّا وسندا وراحة وطاقة ايجابية، أوصلتنا كلّ في دربها إلى نجاحات متعددة، بدأها أبي واكملتها أنتِ بتفوّق.

يوم نحتفل به بأمهاتنا اللاتي تليق بهن كل الاحتفالات، وندعو بالرحمة لكل الأمهات اللاتي رحلن عن هذه الحياة «رحمك الله عمتو وأسكنك فسيح جناته»، يوم يدخلنا عالم الفرح والاحتفال، نفرح به بأمهاتنا وندعو لهن بالصحة وراحة البال وحياة مليئة بكل ما هو ورديّ، نفرح بهذه النعمة التي أنعم بها الله على حياتنا، ونعمة أن نسمع دعاء الرضا من أفواههن، يوم ندرك به أن هناك حبّا لا يشيخ.. حبّ أمهاتنا لنا وحبنا لهن، اللهم احم أمي وامنحها الصحة والسعادة وابقي نعمة وجودها في حياتنا، كل عام وكل الأمهات بكل الخير.

إلى أمي، اليوم ضعيفة أنا وقليلة الحيلة في أن أحكي ما بداخلي من حبّ وحاجة لكِ، وخوف عليكِ، لكني وشقيقاتي نقول لكِ أنتِ مختلفة، أنتِ فقط من تملكين مفاتيح سعادتنا وراحتنا واستقرارنا وأماننا، أنتِ فقط من تجيدين بث ثقافة الفرح في تفاصيل أيامنا، حماك الله وأبقاك الحياة في حياتنا.

 

الدستور




هلا اخبار عبر اخبار جوجل
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق