رؤية أولية لشمول سائقي العمومي بالضمان

موسى الصبيحي

كنتُ والحمد لله أول من دعا إلى ضرورة إيجاد الإطار القانوني التوافقي الذي يُمَكّن مؤسسة الضمان الاجتماعي من شمول سائقي المركبات والحافلات العمومية وسيارات التاكسي وكذلك سائقي سيارات التطبيقات الذكية بمظلة الضمان الاجتماعي، وقد شهدت قاعات وغرف المركز الإعلامي بالضمان عشرات الاجتماعات التي دعونا فيها مختلف الأطراف لتبادل الرأي حول هذا الموضوع، وكان من ضمنها جلسات عصف ذهني شارك فيها ممثلون عن جهات رسمية ذات علاقة كوزارة النقل وأمانة عمان وادارة ترخيص السواقين والمركبات، والنقابات الممثلة للسائقين، ونقابات أصحاب المركبات، وعدد من الخبراء وممثلو مؤسسات حقوقية وغيرهم، ولم نصل إلى صورة توافقية شاملة لإطار الشمول المنشود رغم الإجماع على أهمية مظلة الضمان لكل سائق، ورغم تحقيق بعض النتائج الإيجابية التي لم تكن كافية للوصول الى حلول ترضي كافة الأطراف.

وفي منتصف الأسبوع الماضي أعلنت مؤسسة الضمان عن البدء بالشمول الإلزامي لهؤلاء السائقين، وهي خطوة ضرورية ومهمة، ولكنّي أسجّل بشأنها الملاحظات التالية:

١)النظام المقدّم لشمول السائقين لم يحظَ بحوار وتوافق مع المعنيين، ولا سيما مع ممثلي هذه الفئة الكبيرة من أبناء المجتمع وقد تلقيت الكثير من الاتصالات حول هذا الموضوع، وطالبني البعض بإبداء رأيي في هذا النظام والأسلوب وآلية الشمول المعلَنة..!

٢) النظام جعل من البطاقة التعريفية لسائق المركبة الضمانة الوحيدة لشمول السائق، ووضع في يد مؤسسة الضمان الصلاحية لإصدارها بعد التأكد من شمول السائق بالضمان، وأعتقد أن هذه البطاقة يجب أن يظل إصدارها من صلاحية الجهة المعنية في النقل العام، دون أن يمنع ذلك من التنسيق عند إصدارها من قِبل الجهة المختصة أن تتحقق من شمول السائق بأحكام قانون الضمان الاجتماعي.

٣)إن نظام الشمول وفق شرائح مختلفة ليس عادلاً، ويخلق مراكز قانونية متفاوتة بين السائقين، ولا يحقق الحماية المطلوبة للسائق، لا بل في كثير من الحالات فإن الاشتراك الاختياري الذي بادر إليه في أوقات سابقة عدد من السائقين يحقق حماية مستقبلية أفضل من ناحية تمكين السائق من الحصول على راتب التقاعد، فكيف إذا تم إلزام السائق المشترك اختيارياً بإيقاف اشتراكه والبدء بالاشتراك الالزامي وكان اختيار السائق الاشتراك وفقاً لأقل شريحة من الشرائح المذكورة، أي وكأننا نلزمه بوقف اشتراكه بتأمين الشيخوخة، وهذا فيه انتقاص من مستوى الحماية الاجتماعية التي نطمح بتقديمها لهذه الشريحة المهمة من أبناء المجتمع، في ظل عدم الاستقرار الذي تعاني منه والتحديات التي تواجهها.

٤)في حال اختار السائق شريحة شمول بالتأمينات دون تأمين الشيخوخة، وهو في هذه الحالة سيدفع اشتراك بنسبة 5.25% من الأجر/الراتب المحدّد للاشتراك، أي أنه سيكون مشمولاً بتأمين إصابات العمل وتأمين التعطل عن العمل وتأمين الأمومة وما يسمى بتأمين العجز والوفاة(هذا التأمين الأخير مشتق من تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة).. وهذه التأمينات التي ذكرتها من التأمينات المستدامة مالياً والتي تحقق فوائض مالية مما يُدفع مقابلها من اشتراكات.. وبالتالي فهي تصب في صالح النظام المالي للضمان أكثر مما تصب في صالح المؤمّن عليه وحمايته الذي سيخسر سنوات من عمره الوظيفي في سوق العمل دون أن يتمكن من احتساب هذه المدة كسنوات تدخل ضمن مدة الاشتراك المطلوب لاستحقاق راتب تقاعد الشيخوخة مستقبلاً..!

٥)كان يمكن أن يُمازَج ما بين الاختياري والإلزامي لكل سائق كان مشتركاً بصفة اختيارية قبل دخول مرحلة الشمول الإلزامي للسائقين، ضمن معادلة تُمكّنه من استكمال المدة اللازمة للتقاعد، وفي نفس الوقت حمايته في حالات إصابات العمل والتعطل عن العمل.

٦)أعتقد من واقع خبرتي والحوارات التي أطلقناها في سنوات سابقة بأن ممثلي نقابات أصحاب السيارات كان لديهم استعداد للإسهام مع السائق في تحمّل جزء من اشتراك الضمان، وكان هناك بعض الاقتراحات بشأن العمل بنظام عقود عمل بين السائق ومالك المركبة العمومية، وهو أيضاً ما يُسهّل شمول شريحة كبيرة من هؤلاء السائقين بمظلة الضمان الاجتماعي، وأعتقد لو أنه تم الاستمرار في الحوار لكانت أمامنا اليوم حلول مناسبة وتوافقية يقبل بها الجميع بصدر رحب.

٧)وعطفاً على النقطة السابقة فقد كنتُ أحبّذ لو تم مواصلة الحوار مع كل الجهات المعنية بقطاع سائقي سيارات السرفيس والتاكسي والحافلات والتطبيقات الذكية وأن يكون للحكومة دور محوري في تنظيم هذا القطاع وحماية العاملين فيه والذين يقدّر عددهم بما يزيد على (50) ألف سائق، فالتنظيم هو السبيل الأوحد لتقديم نظام حماية قانونية للعاملين في هذا القطاع ولمستخدمي النقل العام من أبناء المجتمع، كما أن من مصلحة الاقتصاد الوطني ومصلحة الحكومة ومصلحة الضمان ومصلحة مستخدمي وسائط النقل العامة ومصلحة العاملين في القطاع أن يتم تنظيمه في إطار شركات كبرى ذات ملاءة مالية وخبرة.

٨)من المؤسف بأن ما سينتج عن العمل بنظام الشرائح هو خلق مراكز قانونية متفاوتة تماماً في إطار القانون الواحد، كما الحالة الاقتصادية الضاغطة على الجميع ولا سيما هذه الفئة الضعيفة من العاملين في قطاع النقل العامر غير المنظم ستدفع بالغالبية العظمى منهم إلى اختيار شريحة الاشتراك الأصغر والأقل كلفة وبالتالي لن يكون لاشتراكها أي معنى مستقبلاً، حيث ستمضي السنوات الطوال ولن يحصل هؤلاء على راتب تقاعد الشيخوخة مع الأسف…!





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق