الاقتصادي أبو نحل يكتب عن: تأثيرات كورونا الاقتصادية وسبل المواجهة    

هلا أخبار – كتب الرئيس الفخري لرابطة مراكز التجارة العالمية رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات Nest Investments Holdings Ltd، غازي أبو نحل مقالاً أوضح فيه تأثيرات فيروس كورونا المستجد وسبل المواجهة.

وأشار إلى أنّه من مؤشرات عمق الأزمة وخطورتها، أنّ 85 دولة خاطبت صندوق النقد الدولي طلباً للمساعدة الفنية أو المالية،  محذراً من موجة اقتصادية عاتية ويرجّح أن ترتفع نتيجة للأزمة.  

وتالياً نص المقال:

ظهر فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) لأول مرة في الصين أواخر العام 2019. وفي 31 كانون الأول/ ديسمبر 2019، تلقت منظمة الصحة العالمية أول تحذير بشأنه من السلطات الصينية، واتسعت رقعته حتى غطى معظم دول العالم وأوقع خسائر بشرية وإقتصادية هائلة.

وفي غضون أربعة أشهر، تغيرت صورة الإقتصاد العالمي برمته. التغيير جاء عاصفاً وقوياً بحيث دفع رئيسة صندوق النقد الدولي للتصريح أنه “لم يحدث في تاريخ الصندوق أننا رأينا إقتصاد العالم يصاب بمثل هذه الحالة من الشلل. إنه طريق أسوأ من الأزمة المالية العالمية”.

يشهد الإقتصاد العالمي صدمة إقتصادية غير مسبوقة. وبالرغم من الإستجابة السريعة لعدد من الحكومات لهذا التحدي عن طريق إقتراح ووضع عدد من السياسات الإقتصادية المهمة لمواجهة هذه التداعيات السلبية، إلا أن كل التوقعات تشير إلى ركود عالمي يوازي في أثره أو يفوق الأزمة الإقتصادية العالمية التي حدثت في 2008 و2009 ولمدة زمنية يصعب تقديرها في الوقت الحالي، بحيث لا ينبغي الإستهانة بالآثار الإقتصادية طويلة المدى لكوفيد-19، وهو أمر مؤكد خاصة في الدول المتطورة والنامية، حيث العلاقة بين الإقتصاد الحقيقي وأسواق المال تنعكس على العلاقة بين الشركات والبنوك من ناحية والبنوك والدول السيادية من ناحية أخرى، وهو ما حدث خلال أزمة الديون السيادية.

ولإحتواء التداعيات الإقتصادية السلبية يجب أن تكون الإستجابات الوطنية على نطاق الدول والقارات منسّقة وسريعة، كما تحتاج إلى إستهداف القطاعات الأكثر تضرراً من الإقتصاد ومعالجة قدرة النظم الصحية على سبيل الأولوية.

ورغم أن الأسواق المالية الناشئة معتادة تاريخياً على التقلبات الحادة والتراجعات فإنها هذه المرة تشهد أكبر إنسحاب للرساميل الأجنبية منها عبر التاريخ. ففي شهر آذار/ مارس الماضي وحده هرب من تلك الأسواق 83 مليار دولار، وفقاً لمعهد التمويل الدولي الذي إعتبر هذا الرقم قياسياً.

 انسحاب هذه الإستثمارات أكبر مما كانت شهدته أزمة 2008 وأسرع أيضاً. وهذا يخص بالدرجة الأولى أسواق الأسهم التي سحب منها المستثمرون الأجانب 50 مليار د.أ.، والباقي سحب من أصول أخرى، مما دفع للإعتقاد بأن الأسواق الناشئة باتت متروكة لمصيرها المشؤوم في هذه الأزمة العالمية الطاحنة.

تؤكد مسارات المؤشرات أن الهلع ترك نتائج شبه كارثية. فمؤشر “إم إس سي آي” للأسواق الناشئة فقد 25% منذ بداية العام وبورصة الهند هبطت بنسبة 83% وفقدت رساميل أجنبية مقدرة بنحو 15 مليار دولار الشهر الماضي، كما أن عملات عدد من الدول قد زاد إنخفاضها عن 20% أمام الدولار وبالتالي فقدت الأصول الأجنبية المستثمرة في تلك البلدان القيمة نفسها من قيمتها.

  وفي الوقت الذي تتراجع فيه فوائد العملات الرئيسية شهدت الأسواق الناشئة صعوداً كبيراً في تكلفة تمويل عجوزات الحكومة وسندات الشركات، وذلك بعدما عمدت وكالات التصنيف الإئتماني الدولية إلى خفض درجات ملاءة عدد لا بأس به من دول الإقتصادات الناشئة، وهناك بلدان أخرى وضعت درجات تصنيفها الإئتماني تحت المراجعة مع نظرة سلبية.

ومن مؤشرات عمق الأزمة وخطورتها، خاطبت 85 دولة صندوق النقد الدولي طلباً للمساعدة الفنية أو المالية، أي ضعف عدد الدول التي طلبت المساعدة نفسها العام 2008، وفقاً لتقرير نشرته فايننشال تايمز، مع الإشارة هنا إلى أن العلاقات المتداخلة والتشابكات بين الأسواق الناشئة والمتقدمة إزدادت وتعقدت منذ الأزمة السابقة في 2008، ولجأت دول نامية كثيرة، بالإضافة إلى شركات فيها، إلى الإستدانة أكثر بالدولار أو اليورو بعدما إنخفضت أسعار الفوائد في السنوات العشر الماضية، والمستثمرون الأجانب الباحثون عن عوائد مرتفعة نسبياً أقبلوا أكثر على إقراض تلك الدول وشركاتها.

أما الآن، ومع الإنسحابات القصيرة والمتسرعة للرساميل في موازاة تداعيات تفشي فيروس كورونا المستجد، فتلك العلاقة بين الأسواق المالية المتقدمة والناشئة تتجه للتفكك والإنكسار.

وبالنسبة لكثير من محللي الأسواق، فإن الآتي أعظم: كثير من الرساميل هاجرت تلك الأسواق والهجرة متواصلة.

نحن في بداية موجة عاتية ويرجّح أن ترتفع، وبالتالي ستخفض تقييمات كثير من الأصول المالية في الأسواق الناشئة.

وفي حين يؤكد محللون آخرون أن موجة الإنسحابات في الإستثمار في أصول الأسواق الناشئة طبيعية ومتوقعة، لأن كل أسواق العالم تتقهقر مؤشراتها في ردود فعل خائفة في تداعيات أزمة كورونا، لكنهم يتوقفون أيضاً أمام النتائج الإقتصادية التي تركتها وستتركها الأزمة في دول ناشئة كثيرة تعتمد إقتصاداتها على إنتاج السلع الأولية، خصوصاً النفط، وإنهيار السياحة.

 كما يتوقفون مليًّا أمام الآثار السلبية لإجراءات الحجر المنزلي والتباعد الإجتماعي والحظر المناطقي على الإستهلاك والطلب الداخلي.

 تأثيرات الأزمة  ستلقي بثقلها على اليد العاملة، حيث رجحت منظمة العمل الدولية أن تؤدي جائحة كورونا المستجد إلى إلغاء 6.7٪ من إجمالي ساعات العمل في العالم في النصف الثاني من العام الجاري، أي ما يعادل 195 مليون وظيفة بدوام كامل.

وذكرت المنظمة في تقريرها أن هذا العجز سيطال قرابة 5 ملايين عامل في المنطقة العربية بدوام كامل بينما يصل عدد المتضررين في أوروبا إلى 12 مليون عامل وفي آسيا وفي المحيط الهادئ حوالي 125 مليون عامل.

وأوضح التقرير أن القطاعات الأكثر عرضة للخطر هي خدمات الفندقة والمطاعم والخدمات الغذائية والصناعات التحويلية وتجارة التجزئة وأنشطة أعمال الخدمات والأنشطة الإدارية.

 كيف يواجه العالم هذه الأزمة؟

منظمة الصحة العالمية تسعى للتنسيق بين الحكومات ووضع سياسة صحية مشتركة وتواجه بصراعات سياسية ومواقف متشنجة على غرار ما نشهده بين الولايات المتحدة الأميركية والصين.

 المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجموعة العشرين تعمل على إقرار خطط وبرامج ومساعدات مالية طارئة، إحداها وصل إلى 160 مليار دولار على مدى 15 شهراً لدعم جهود تصدي الدول لتداعيات هذا الفيروس.

 تسعى الحكومات من جهتها إلى تبني سياسات توسعية، مالية ونقدية لتعويض النقص في الطلب ومساندة الشركات المتضررة وتوسيع مظلة الحماية الإجتماعية، خاصة لمن يعملون في القطاع غير الرسمي، وتفعيل تعويضات للبطالة وتأجيل دفع الضرائب أو الإعفاء منها بشكل مؤقت، وهذا ما فعلته دول عدة، ومنها الولايات المتحدة الأميركية التي وصل حجم حزمتها التحفيزية إلى 10٪ من الدخل القومي. أما بالنسبة إلى السياسة النقدية، فقد عمدت المصارف المركزية إلى خفض سعر الفائدة وتوفير النقود اللازمة لتمكين المصارف من تمويل رأس المال العامل في الشركات المتعثرة، وإعادة جدولة ديون الشركات والأفراد المتضررين وتأجيل سداد الأقساط المستحقة… مع الإشارة إلى أن سعر الفائدة قد بلغ الصفر في بعد البلدان.

 القطاع الخاص سيواجه أعظم التحديات بعد إنتهاء زمن كورونا فهل سينجح؟ وما هي السبل لذلك؟

العالم بعد أزمة كورونا لن يكون كما كان قبلها. لكن في أي إتجاه؟

 وفي إنتظار ذلك، يبقى الأمل بتوافر اللقاح لهذا الفيروس. هذا الأمل الذي أوجزته الملكة إليزابيت الثانية بقولها:”سوف نلتقي من جديد”.





زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق